محمد بن جرير الطبري
156
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ابن جريج قال : قلت لعطاء : " وما جَعلنا القِبلة التي كنتَ عليها " . قال : القِبلة بيتُ المقدس . * * * قال أبو جعفر : وإنما ترك ذكر " الصرف عنها " ، اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه ، كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نَظائره . ( 1 ) وإنما قُلنا : ذلك معناه ، لأن محنةَ الله أصحابَ رسوله في القِبلة ، إنما كانت - فيما تظاهرت به الأخبار - عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة ، حتى ارتدَّ - فيما ذكر - رجالٌ ممن كان قد أسلمَ واتَّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأظهرَ كثيرٌ من المنافقين = من أجل ذلك = نفاقَهم ، وقالوا : ما بَالُ محمد يحوّلنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا ! وقال المسلمون ، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس : بطلت أعمالُنا وأعمالُهم وضاعت ! وقال المشركون : تحيَّر محمد [ صلى الله عليه وسلم ] في دينه ! فكان ذلك فتنةً للناس ، وتمحيصًا للمؤمنين . فلذلك قال جل ثناؤه : " ومَا جَعلنا القِبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عَقبيه " ، أي : ومَا جعلنا صَرْفك عن القبلة التي كنت عليها ، وتحويلك إلى غيرها ، كما قال جل ثناؤه : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) [ سورة الإسراء : 60 ] بمعنى : وما جعلنا خَبرَك عن الرؤيا التي أريناك . وذلك أنه لو لم يكن أخبَر القوم بما كان أُرِي ، لم يكن فيه على أحد فتنةٌ ، وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس ، لو لم يكن صرفٌ عنها إلى الكعبة ، لم يكن فيها على أحد فتنةٌ ولا محْنة . * * * ذكر الأخبار التي رُويت في ذلك بمعنى ما قلنا :
--> ( 1 ) انظر ما سلف 1 : 139 - 141 ، 179 ، وغيرها كثير ، اطلبه في الفهارس .